محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
260
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
عُرِفَ منهم بالعبادة العظيمة ، والمحافظةِ الشديدة على ما يعتقِدُ أنَّه واجب ، والمعلومُ بالضرورةِ لِكل فرقة من فرق الإِسلام أن في المرجئة عُبَّاداً وزهاداً يقومون الليل ، ويحيونه بالتلاوة ، وينتحِبُونَ بالبكاء العظيم من خوف العذاب الأليم ، ويحافظون من النوافل على ما هُوَ أشَقُّ من المفروضات بأضعاف مضاعفة ، ويتركون المعاصي والمحرمات . فقولُ السيد : إنهم يرتكبون الكذبَ وسائرَ المعاصي غيرُ صحيح بالضرورة ، لأنهم إما أن يُدَّعى إن ارتكابَهم للمعاصي مشاهَدٌ بالأبصار ، فذلك مُبَاهَتَةٌ ، وأما أن يُدَّعى أن فعلَ الطاعة ، واجتنابَ المعصية غيرُ مقدور لهم لبطلان الداعي ، وانتفاء الصارف ، فذلك غيرُ صحيح ، ولا سيما عندك لو قَدَّرْنَا بطلانَ الداعي ، وانتفاء الصارف ، لكنه غيرُ باطل كما سيأتي ، وإما أنْ نُقِرَّ أن فعلَ الطاعة ، واجتنابَ المعصية مقدور لهم ، ممكن وقوعُهُ منهم في العقل والشرع ، فما معنى قطعه بأنَّهم فعلُوا أحد الجائزين ؟ وهلاَّ قال : إنهم يفعلونَ الطاعة ، ويترُكون المعصيةَ ، لأن ذلك مقدور لهم ، ولهم إليه أعظمُ الدواعي من المنافسة في مراتب الآخرةِ والتعرض لنفحات رحمة ( 1 ) من يعتقدون أنَّه أرحمُ الراحمينَ ، وأكرمُ الأكرمين ، والمالك لِخَيْرِ الدَّارَيْنِ ، وقد قررَ السَّيدُ أنَّه لا يجوزُ للإنسانِ أن يخْبِرَ بخبر يجوزُ أنه كذب ، فكيف أخبر عن جميع المرجئة بارتكابِ الكذب وغيرِه من المعاصي بمجرد الجُزَافِ من غير دليل يَدُلُّ على ذلك لا مِن العقل ، ولا مِن السمع ؟ وليس يجوزُ مثلُ هذا الكلامِ في الفسَّاقِ المصرِّحين إلا في ما شُوهِدَ من معاصيهم ، فليس لك أن تقولَ في قاطِع الصلاةِ : إنَّه يَشْرَبُ الخمرَ ، ولا في شاربِ الخمر : إنَّهُ يزني ، ولا في الزاني : إنَّه يُربي ، ولا
--> ( 1 ) لفظ " رحمة " ساقط من ( ب ) .